الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
106
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإِنَّ اللَّهً عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ » . وإن لم يكن مستكملا لشرائط الإيمان ، فهو ظالم ممّن يبغي ( 1 ) ، ويجب جهاده حتّى يتوب . وليس مثله مأذونا له في الجهاد والدّعاء إلى اللَّه - عزّ وجلّ - . لأنّه ليس من المؤمنين المظلومين الَّذين أذن لهم في القرآن في القتال . فلمّا نزلت هذه الآية : « أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا » في المهاجرين الَّذين أخرجهم أهل مكّة من ديارهم وأموالهم ، أحلّ لهم جهادهم . بظلمهم إيّاهم ، وأذن لهم في القتال . فقلت : فهذه نزلت في المهاجرين بظلم مشركي أهل مكّة لهم ، فما بالهم في قتالهم كسرى وقيصر ومن دونهم من مشركي قبائل العرب ؟ فقال : لو كان [ إنّما ] ( 2 ) أذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكّة فقط ، لم يكن لهم إلى قتال جموع كسرى وقيصر وغير أهل مكّة من قبائل العرب سبيل . لأنّ الَّذين ظلموهم غيرهم ، وإنّما أذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكّة لإخراجهم إيّاهم من ديارهم وأموالهم بغير حقّ . ولو كانت الآية إنّما عنت المهاجرين الَّذين ظلمهم أهل مكّة ، كانت الآية مرتفعة الفرض عمّن بعدهم ، إذ لم يبق من الظَّالمين والمظلومين أحد ، وكان فرضها مرفوعا عن النّاس بعدهم ، إذا لم يبق من الظَّالمين والمظلومين أحد . وليس كما ظننت ، ولا كما ذكرت ، ولكنّ المهاجرين ظلموا من جهتين : ظلمهم أهل مكّة بإخراجهم من ديارهم [ وأموالهم ] ( 3 ) ، فقاتلوهم بإذن اللَّه لهم في ذلك . وظلمهم كسرى وقيصر ومن كان دونهم من قبائل العرب والعجم ، بما كان في أيديهم ، ممّا كان المؤمنون أحقّ به منهم . فقد قاتلوهم بإذن اللَّه - تعالى - لهم في ذلك . وبحجّة هذه الآية يقاتل مؤمنو كلّ زمان . وإنّما أذن اللَّه - تعالى - للمؤمنين الَّذين قاموا بما وصف اللَّه - تعالى - من الشّرائط الَّتي شرطها على المؤمنين في الإيمان والجهاد . ومن كان [ قائما بتلك الشرائط ، فهو مؤمن ، وهو مظلوم ومأذون له في الجهاد بذلك المعنى . ومن كان ] ( 4 ) على خلاف ذلك ، فهو ظالم وليس من المظلومين ، وليس بمأذون له في القتال ، ولا بالنّهي عن المنكر والأمر بالمعروف . لأنّه ليس من أهل ذلك ، ولا مأذون
--> 1 - كذا في المصدر . وفي النسخ : ينبغي . 2 - من المصدر . 3 - ليس في م . 4 - ليس في ع .